نحو مقاربة جديدة لتدريس قوالب الموسيقى العربية

الكاتبة : عائشة القلالي | دكتورة في الموسيقى والعلوم الموسيقيّة، جامعة تونس


خلاصة :

يمثّل القالب الموسيقي أحد العناصر التي تتجاوز حدود التأليف الموسيقي ليكون شاهدا على تطوّر الممارسة الموسيقية وعلى مختلف التحوّلات التي تطرأ على التأليف الموسيقي في مراحل مختلفة من الزمن. لذلك لا يمكن أن تقف قراءتنا للقالب الموسيقي عند البنى الشكلية الخارجية للأعمال الموسيقية وإنما يجب أن تمتدّ إلى كلّ ما يمكن أن يساعد على فهمه من الجانب التقني الموسيقي من ناحية، وفي سياقه التاريخي والثقافي من ناحية أخرى.

ورغم أن القوالب الموسيقية تختلف عن بعضها في العديد من النقاط، فإن البعض منها يشترك في خاصيات شكلية عديدة. لذلك تبدو الدراسة المقارنة بين القوالب الموسيقية ضرورية لتمييز نقاط الاختلاف والتشابه بين البنى الشكلية المستعملة في التأليف الموسيقي العربي.

على هذا الأساس، وانطلاقا من تجربتنا في التدريس الجامعي لـمادة قوالب الموسيقى العربية، نقترح في هذه الورقة، مقاربة متعدّدة المستويات لتدريس هذه المادة تُبنى على أربع مراحل هي الاستماع الموجّه، تفكيك البنية الشكلية، النقد المقارن والتعريف المفاهيمي.

الخلاصة بالفرنسية | الخلاصة بالانقليزية


  • لذكر مصدر المقال : القلالي، عائشة، 2017 : « نحو مقاربة جديدة لتدريس قوالب الموسيقى العربية »، المركز التونسي للنشر الموسيقولوجي، http://ctupm.com/ar/vers-une-nouvelle-approche-denseignement-des-formes-musicales-arabes
  • حمّل المقال في صيغة  PDF.

 مقدمة

تـُمثّل مادة قوالب الموسيقى العربية إحدى المواد الأساسية التي يُبنى عليها التكوين الموسيقي الجامعي، وتستمدّ أهمّيتها من أنها تمكّن المتعلّم من التعرّف على مختلف القوالب المستعملة في التأليف الموسيقي العربي. ولكن وأمام وفرة الإنتاج الموسيقي العربي وثرائه على مستوى الشكل، وأمام ما يعرفه مجال الإنتاج الموسيقي من تحوّل مستمرّ أثّر في طبيعة القوالب المستعمَلة في التأليف الموسيقي، يبدو من المفيد اليوم أن تنفتح هذه المادة على مجالات معرفية أخرى تساعد على تعميق معرفة المتعلّم بالقالب الموسيقي. إنّ ما نقترحه هو ألاّ تكتفي المادة بتحديد البنية الشكلية وإنما أن تتعدّى ذلك لتصل إلى جوانب أخرى على غاية من الأهمية ذات أبعاد نظرية وتاريخية وتطبيقية ونقدية.

فليس القالب الموسيقي مجرّد بنية شكلية يمكن أن تُدرَس على أنها مجموعة من الأجزاء والعناصر المتراصّة، إنما يتجاوز ذلك إلى كونه محملا للتاريخ الموسيقي ودلالة على التمازج بين الممارسات الموسيقية المختلفة لدى الشعوب. إضافة إلى ذلك يعكس القالب الموسيقي انفتاح الممارسات الموسيقية على التعبيرات الفنية الأخرى خاصة منها المتعلّقة بالمجال المسرحي، إذ استعارت الموسيقى بعض التعبيرات الأدائية المسرحية لتستغلها في التأليف الموسيقي. لكل هذه الأسباب يبدأ التعرّف على القالب الموسيقي من تحديد البنية الشكلية ولكنه لا يقف عندها وإنما يبحث في جميع الخاصيات التي اكتسبها عبر التاريخ وفي العوامل التي ساعدت إما على ظهوره كقالب، أو على تحوّل بنيته الشكلية إن كانت هذه الأخيرة قد عرفت بعض التغييرات على مستوى العناصر الشكلية، سواءً في طبيعتها أو في ترتيبها.

ومن القوالب المستعملة في التأليف الموسيقي العربي ما يشترك في بعض الخاصيات الشكلية، مما يجعل من دراسة كلّ قالب على حدةٍ عملية منقوصة. لذلك نقترح الدراسة المقارِنة التي بإمكانها أن تساعد على مزيد توضيح الخاصيات المشتركة والفوارق بين القوالب المتشابهة في بناها الشكلية كما تساعد على إثارة الحس النقدي لدى المتعلّم لمزيد طرح التساؤلات والإشكاليات حول البنى الشكلية لقوالب التأليف الموسيقي العربي.

يتوزع ما يلي من الورقة على ثلاثة عناصر أولها هو التمييز بين الشكل والقالب في الموسيقى يليه عنصر المنهج المقترح في تدريس القالب، أما ثالث العناصر فهو مثال تطبيقي نركز فيه على أهمية النقد المقارن.

1. الشّكل والقالب في الموسيقى

في البداية يجب أن نفرّق بين الشكل والقالب في التأليف الموسيقي، فالمقصود بالشّكل هو البنية الهيكليّة للعمل الموسيقي سواءً كان غنائيا أو آليًّا، أما القالب فهو مفهوم أشمل وأكثر اتساعا من الشكل ونعني به النمط التأليفي الذي يجمع مصنّفات موسيقية تتّحد في الشكل ويعرّفه يوسف طنّوس على أنه “مصطلح يتضمّن البنية الخارجية والداخلية للعمل الموسيقي، أي تركيبته ومضمونه”1.

1.1 الشكل الموسيقي

يتكوّن كلّ عمل موسيقيّ من عدد من المكونات البنيوية التي تُمثّل أجزاءه، وترتيب هذه المكونات هو الذي يُولّد ما نسمّيه بـ “البنية الهيكلية” أو “الشكل”.

تُمثّل الخليّة «cellule» المكوّن الأساسي للشّكل، وهي أصغر وحدة شكلية ذات معنى في العمل الموسيقيّ، ويمكن لخلية واحدة أن تتكوّن من مقياس واحد أو أكثر وعادة ما لا تتجاوز المقياسَيْن (Universalis2, 2015)، على أن يكون لهذا المقياس (أو هذه المقاييس) بنية لحنية وإيقاعية مكتملة، ومجموع عدد ما من هذه الخلايا يكوّن الجملة الموسيقية التي تأتي في صيغة {بداية – ذروة – نهاية}(Universalis, 2015)3. ومجموع هذه الجمل الموسيقية يكوّن الجزء وهو عدد من الجُمل المكتملة من حيث بنائها اللحني والإيقاعي والكلامي، والتي تُكوّن فكرة «idée/thème» مستقلّة ومكتملة لحنًا وإيقاعًا ولفظًا داخل كُلٍّ موسيقيّ وهو العمل الموسيقي.

رسم بياني عــ1ــدد : شكل العمل الموسيقي

يتكَوّن شكل العمل الموسيقي أي بنيته الهيكلية إذا من ترتيب هذه الأجزاء، أي أن شكل العمل الموسيقي لا يأتي من كيفية استعمال العناصر الموسيقية التقنية (الأصوات، الارتفاعات، الأبعاد، الإيقاعات، الانتقالات الصوتية، التحويلات المقامية…)، فهي عناصر ضروريّة تتكوّن منها كلّ الأعمال الموسيقية ولا يؤثّر الاختلاف في استعمالها في شكل العمل الموسيقي، وإنما في مضمونه، باستثناء بعض القوالب المستعمَلة في الموسيقى العربية خاصة تلك التي يتدخّل فيها عنصر الإيقاع بطريقة مباشرة في شكل القالب. وعلى ذلك نرى أن الشكل في العمل الموسيقي يتكوّن فقط من خلال الكيفية التي ترد بها مكوناته البنيوية أي الخلايا والـجمل والأفكار والأجزاء.

2.1 القالب الموسيقي

غالبا ما يقع الخلط بين مفهوميْ الشكل والقالب، واعتبارهما مترادفين، فحين نتحدّث عن القالب الموسيقي يمكن أن يتّجه التفكير تلقائيَّا نحو “البنية الهيكلية” للعمل الموسيقي والتي سمّيناها “الشكل”، ولكن القالب يأخذ معنى آخر يختلف عن معنى الشكل. حيث تأتي المؤلّفات الموسيقية في أشكال مختلفة، رغم أنها تشترك في نفس العناصر التقنية أي مكوّنات اللغة الموسيقية (خط لحني، إيقاع، أبعاد موسيقية، انتقالات صوتية، توافقات…) فإنّ الاختلاف بينها يأتي من ترتيب هذه المكونات البنيوية داخل الكلّ (العمل الموسيقي) وهذا الاختلاف هو الذي أدّى إلى ظهور ما يُسمّى بـ”القوالب الموسيقية”. فكلّ الأعمال الموسيقية التي تشترك في الشكل، أي في كيفية ترتيب مكوناتها البنيوية، تنتمي إلى نفس القالب الموسيقيّ. وعلى ذلك يكون القالب الموسيقي إذا أسلوبا في التأليف يأخذ شكلا محدّدا تردُ مكوناته البنيوية بطريقة متطابقة، وهو كما يعرّفه “هيغورايمان” التناسق بين مختلف العناصر في كلّ متجانس”(Encyclopédie de la musique, 1959, p. 119).

وهو إذا مفهوم أشْمَل من مفهوم “الشكل” الذي يمثّل جزءًا من كلّ، فالشكل هو عنصر بنيوي نميّز به بين مختلف القوالب الموسيقية، بينما القالب هو مصطلح يُطلق على مصنّفات تأليفية تشترك في عنصر رئيسيّ هو “الشكل” أو “البنية الهيكلية”.

لنأخذ مثلا قالب “السمّاعي” لنحاول تفسير ما سبق بطريقة أوضح. السماعي هو قالب موسيقي آلي يُستعمَل في التأليف الموسيقي التركي والعربي، يتألَّف من ناحية الشكل من عدد من “الخانات” تتكرّر كل واحدة منها مرّتان و”تسليم” يتكرّر بعد كلّ “خانة” وتُختَم به القطعة. وتُمثّل “الخانات” و”التسليم” أجزاء “السمّاعي”، أي أن كلّ خانة تُمثّل جزءا مستقلّا داخل كُلٍّ مُتَّصلٍ هو شكل “السمّاعي” {خانات+تسليم}.

رسم بياني عـ2ــدد : شكل قالب “السمّاعي” {خانة1 (×2) + تسليم (×2) + خانة 2 (×2) + خانة 3 (×2) + خانة 4 (×2)}

هذا من الناحية النظرية، أما من ناحية الأداء فإذا اعتبرنا أن الخانة 1 هي (أ) والتسليم هو (ب) والخانة 2 هي (ج) والخانة 3 هي (د) والخانة 4 هي (هـ) فإن طريقة أداء السمّاعي ستكون كالآتي:

{خانة1 (×2) +تسليم(×2) +خانة2 (×2) +خانة3 (×2) +خانة4(×2)}

أي

{أ()+ ب() + ج() + ب() + د() + ب() + ه() + ب()}

القاعدة الأدائية لقالب السماعي

نتَجَ عن هذا الشّكل الذي يؤلَّف ويؤدَّى به “السمّاعي” في التقاليد الموسيقية التركية والعربية قالبٌ موسيقيٌّ آليٌّ هو “قالب السمّاعي”، وبالتّالي فإن كل قطعة موسيقية تؤلّف حسب الشكل المبيّن في الرسم عدد (1) وتؤدّى حسب القاعدة الأدائية المبيّنة أعلاه تنتمي بالضرورة إلى قالب السمّاعي الذي يعرّفه محمود قطاط على أنه “فاصلة موسيقية أو بالأحرى افتتاحية الجزء الثاني من الوصلة، وهو على غرار البشرف الذي يتفرّع منه، يتألّف من 4 خانات وتسليم مع استعمال إيقاع السمّاعي ثقيل (8/10) وآخر ثلاثي (4/3 أو 4/6 أو 8/6) أكثر سرعةً للخانة الرابعة” (Guettat, 1986, p. 37).

2. منهج مقترح لتدريس القالب الموسيقي

يُبنى منهج تدريس القالب الموسيقي المقترح في هذه الورقة على 4 مراحل تراتبيّة. وقبل أن نتبيّن هذه المراحل بالتفصيل، نشير إلى أنه من المفيد أن ينطلق تدريس قوالب الموسيقى العربية من قاعدة مفاهيمية يتعرّف من خلالها المتعلّمون على المعجم الاصطلاحي الخاص بالمادة، مما يمكّنهم من تبين الفرق بين الشكل والقالب، وذلك لتجاوز الخلط بين العناصر الشكلية (الجملة، الجزء…) والعناصر الموسيقية (النغم، الإيقاع، المقام..) وللتمكن من استعمال المصطلحات التقنية في محلّها.

1.2الوسائل البيداغوجية

يُعْتمَد لتدريس قوالب الموسيقى العربية على التسجيل الصوتي للمثال موضوع الدرس، ويكون من الأفضل هنا التنويع في الأمثلة وفي التسجيلات السمعية بين القديم والجديد وذلك بهدف إثراء المعارف السمعية للمتعلّم وبيان الاختلاف في التناول الشكلي والأدائي لمختلف القوالب، كما نؤكّد على أهمية اعتماد التراقيم الموسيقية للأمثلة والنصوص الشعرية بالنسبة إلى أمثلة القوالب الغنائية والغنائية-الآلية وذلك بهدف اعتمادها في تحديد الجمل والأجزاء، وتكريس البنية الشكلية في الذاكرة البصرية للمتعلّم، وبالتالي مساعدته على تخزين البنية بطريقة أسرع وأسهل.

2.2 صعوبات المتعلّم

من خلال تجربتنا في تدريس مادة “قوالب الموسيقى العربية” لاحظنا بعض الصعوبات التي يواجهها المتعلّم في عمليّة التعرّف على القالب الموسيقي، ولعلّ أهمّ هذه الصعوبات هي عدم التمكّن من تحديد طبيعة القالب الموسيقي وعدم التمييز أحيانا بين القوالب الغنائية والقوالب الآلية رغم وضوح الفرق بين النوعين، وذلك يعود إلى الخلط بين بعض التسميات التي لطالما ارتبطت ببعضها في الذاكرة الجماعية مثل الزجل والموشح، الموشّح والدور، النشيد والقصيد. كما يواجه المتعلّم صعوبة في تحديد الجمل الموسيقية باعتماد السمع، أي صعوبة تفكيك البنية الشكلية للمثال، وذلك يعود إلى عدم التمكّن من المعجم الاصطلاحي لثنائية الشكل والقالب. كما يتدخّل في عملية التعرف على القالب الموسيقي عنصران هامّان وهما “الخلفية السمعية” و”الخلفية التعلّمية” للمتعلّم، والمقصود بالخلفيّة السمعية هو تعوّد الطالب على الاستماع إلى نماذج في قوالب معيّنة من التأليف الموسيقي دون غيرها، وبقدر ما تساعده خلفيّته السمعية على تحديد بعض القوالب التي اعتاد سماعها، تمثّل صعوبة تُضعف إمكانية تعرّفه على قوالب جديدة لم يتعوّد سماعها وقد لاحظنا سهولة تعرّف المتعلّمين على قالب السماعي نظرا لحضوره الهام في المجال السمعي فهو كما يؤكّد الأسعد الزواري “من أكثر القوالب الآلية التقليدية انتشارا”4، ولاعتماده المكثّف في عدد من الدروس التطبيقية الأخرى مثل القراءة الغنائية ودروس الآلات. أما بالنسبة إلى الخلفية التعلّمية فهي تخصّص المتعلّم، ونعني به خاصة اختصاص الآلة، فمن الملاحَظ مثلا أن المتعلّمين المنتمين لأقسام الآلات الوترية والنفخية العربية يتمكّنون بسهولة من التعرّف على قوالب آلية معيّنة مثل الدولاب واللونغا والسمّاعي والاستخبار/التقسيم، وذلك يعود بالأساس إلى اعتماد هذه القوالب في التمارين النموذجية في مناهج تدريس هذه الآلات خاصة في المستويات المتقدّمة، في حين أنّ نظرائهم من المنتمين إلى اختصاص الموسيقى الغربية غالبا ما يواجهون صعوبة في التعرّف على قوالب التأليف العربي، وهنا تتأكّد أهميّة عنصر التطبيق في مساعدة المتعلّم على التعرّف على القالب الموسيقي للمثال.

إن عامل “الخلفية التعلّمية” هذا يتدخّل بطريقة كبيرة في عملية إدراك المتعلّم للقالب الموسيقي ولكنّه يبقى نسبيا ولا يمكن سحبُه على جميع المتعلّمين.

3.2 التمشّي البيداغوجي

1.3.2 الاستماع الموجّه

يستمع فيها المتعلّم إلى المثال أكثر من مرّة بتوجيه من المدرّس إلى تحديد أجزاء المثال الموسيقي المعتمَد ويمكن أن نسمّيها مرحلة الاستماع الواعي. يُعتبر عنصر التكرار هنا أحد أهم العوامل المساعدة على تحديد الأجزاء الشكلية للمثال خاصة في بعض القوالب التي يمثّل فيها التكرار عنصرا مؤثّرا على البنية الشكلية مثل تكرار جزء “التسليم” في قالب السماعي أو “المذهب” في بعض القوالب الغنائية.

2.3.2 تفكيك البنية الشكلية

بالاعتماد على السمع وبالاستناد إلى الترقيم الموسيقي والنص الشعري يحاول المتعلّم استخراج المكونات البنيوية للمثال الموسيقي وتحديد بنيته بترتيب هذه المكونات حسب ورودها في المثال، ويتمّ هنا التركيز على عنصر التكرار بتحديد الأجزاء المتكرّرة في المثال واحتساب عدد مرّات إعادتها ثمّ التحقّق من مدى تأثير عنصر التكرار على البنية الشكلية للقالب. ويُنصح هنا باعتماد الرسوم البيانية لتجسيد البنى الشكلية لمختلف القوالب، والجدولة لتحديد وظائف كلّ عنصر من عناصر البنية الشكلية.

وتتمثّل عمليّة تفكيك البنية الشكلية للعمل الموسيقي في تحليل مكوّناته البنيوية بهدف اختزاله في بنية شكلية تتكوّن من عدد من الأجزاء تربط بينها علاقات مختلفة، وإذا كان “قابرييل سارجان” يحدّد مستويَيْن اثنيْن لعملية التفكيك هذه وهما التجزئة والتسمية 5، فإننا نضيف عليهما مستوى ثالثا وهو تحديد العلاقات والوظائف، ذلك أن الأجزاء داخل العمل الموسيقي لا ترد بصفة اعتباطية وأن التأليف الموسيقي هو ممارسة قصدية، وبالتالي يجب أن نبحث في سلسلة العلاقات التي تربط بين أجزاء العمل الموسيقي، وهكذا تتمّ عملية تفكيك البنية الشكلية على 3 مستويات كالآتي:

التجزئة: بما أن كل جزء في العمل الموسيقي يتحدّد بنقطة بداية ونقطة نهاية، فإن عملية التجزئة تتمثّل في تحديد نقطتيْ البداية والنهاية لكلّ جزء أي في ضبط حدوده داخل الكل، وهي تقرُب من عملية التحليل الباراديغمي التي تعتبر أن كلّ عمل موسيقي يُبنى على عنصر التكرار 6، ويتمّ اعتماد عنصر التكرار هذا لتسهيل تحديد أجزاء العمل الموسيقي وربط علاقاتها.

التسمية: وتتمثّل في تسمية الأجزاء حسب درجات تشابهها (أ-أ’/أ-ب).

تحديد العلاقات والوظائف: بعد تحديد الأجزاء وتصنيفها يتمّ استخراج الخيط الرابط بينها بالاستناد إلى العناصر الموسيقية التقنية التي يتكوّن منها مضمون العمل وهي التركيبة اللحنية والبنية الإيقاعية والتحويلات المقامية والإيقاعية والانتقالات الصوتية (القرار، الوسط، الجواب)، وعناصر النص الشعري (أبيات، أغصان، أدوار، مذهب…) بالنسبة إلى القوالب الغنائية، ويتمّ تحديد وظائف الأجزاء حسب طبيعة العلاقات التي تربط بينها.

3.3.2 النقد المقارن

يتمثّل الهدف من هذه المرحلة في إثارة الحس النقدي لدى المتعلّم، وذلك من خلال استخراج العناصر الثابتة والعناصر المتغيّرة في عدد من الأمثلة المختلفة التي تنتمي إلى نفس القالب من ناحية، وعادة ما يعود الاختلاف في هذه الحالة إما إلى عامل التحوّل في الزمن فبعض القوالب الموسيقية لم تحافظ على نفس البنية الشكلية منذ نشأتها، أو إلى عامل ذاتي يتمثّل في طريقة تناول المؤلّف للقالب الموسيقي أو إلى تطوّر طرق التوزيع الموسيقي. كما يمكن من ناحية أخرى تطبيق المقارنة على نفس المثال في أكثر من تسجيل صوتي وذلك لبيان الاختلاف على المستوى الأدائي لنفس العمل الموسيقي والتأكّد من إمكانية تأثير طريقة الأداء على البنية الشكلية للقالب الموسيقي.

يمكن أيضا تطبيق عملية النقد المقارن للبنى الشكلية للأعمال الموسيقية التي تنتمي إلى نفس القالب الموسيقي لدى مؤلّف موسيقي واحد وذلك للوقوف على تحوّل تقنيات التأليف لديه في مراحل مختلفة من خلال تحليل نماذج محدّدة.

4.3.2 التعريف النظري

تتمثّل آخر مرحلة في منهجنا المقترح في تقديم تعريف نظري للقالب موضوع الدرس بالاستناد إلى أهمّ المراجع الموثوقة في مجال الاختصاص، ويُستَحسن هنا الرجوع إلى أكثر من مصدر ومرجع للوقوف على اختلافات التعريف لنفس القالب الموسيقي، كما يفضّل اعتماد مراجع حديثة تجنّبا للخلط بين المقاصد وتقيّدا بتطوّر الفكر البشري. وتتمثّل الغاية من هذه المرحلة في منهجنا في إثراء الزاد المعرفي للمتعلّم حول القوالب الموسيقية.

3.مثال تطبيقي

نقترح في ما يلي تطبيق المنهج المقترح في الورقة على المثال الموسيقي التالي وهو بشرف في مقام الراست ورَدَ في أربع خانات وتسليم وتذكّرنا هذه البنية بقالب السماعي الذي يتركّب أيضا من خانات وتسليم، ولكن من خاصيات قالب البشرف أن يرد في إيقاع ثنائي وأن يحافظ على نفس الخطوة في جميع أجزائه، خلافا لقالب السماعي الذي يرد في إيقاع السماعي ثقيل 8/10 ويتغيّر إيقاعه في الخانة الأخيرة، وسنتبيّن كل هذه النقاط في ما يلي.

1.3 تفكيك البنية الشكلية

2.3 تحديد العلاقات والوظائف

الجزء تحديد المقاييس وظيفته
الخانة الأولى/أ 116 تقديم المقام الرئيسي للأثر دون تلوينات مقامية، ويستعرض فيه خصوصيات المقام وقراراته وتأتي في إيقاع 4/4.
التسليم/ب 1731 تعميق المقام ومزيد استغلال المنطقة المقامية له والتوسّع فيه، باعتماد الجوابات خاصة ويُكرّر التسليم بعد كل خانة.
الخانة الثانية/ج 3248 تلوينات مقامية وتوظيف العقود المقامية الدارج استعمالها في المقام الأصلي أي أن يستعرض المؤلّف فروع المقام وإمكانيات الانتقالات المقامية
الخانة الثالثة/د 4965
الخانة الرابعة/هـ 6682 مزيد استغلال منطقة الجوابات، ولكن بالمحافظة على نفس الإيقاع والخطوة، حيث وخلافا لقالب السماعي لا يتمّ تغيير الإيقاع والسرعة في الخانة الأخيرة من قالب البشرف.

جدول عــ1ــدد : أجزاء المثال ووظائفها

رسم بياني عــ3ــدد : شكل قالب البشرف

3.3 النقد المقارن

مقارنة بقالب السمّاعي، نلاحظ أن قالب البشرف يحافظ على نفس الإيقاع الثنائي من بدايته إلى نهايته، بينما في السماعي يتغيّر الإيقاع في الخانة الأخيرة ويمكن أن يكون ثنائيا أو ثلاثيا. ولكن القالبين يشتركان في البنية الشكلية (خانات+ تسليم يؤدّى بعد كل خانة ويُختم به).

الخاصية البشرف السمّاعي
التركيبة الشكلية خانات + تسليم خانات + تسليم
الإيقاع ثنائي سمّاعي ثقيل
تغيير الإيقاع لا نعم (في الخانة الأخيرة)
التكرار عادة لا تعاد الخانات والتسليم مرتان وإنما يتكرّر التسليم مرة واحدة بعد كل خانة. تعاد كل من الخانات والتسليم مرّتان ويتكرّر التسليم بعد كل خانة.

“جدول عــ2ــدد : مقارنة بين قالبَيْ “البشرف” و”السماعي

خاتمة

إن القالب الموسيقي ليس ظاهرة اعتباطية وإنما نظام بنيوي موسيقي دقيق ومنطقيّ لا ينفصل فيه عنصر عن آخر، وتترتّب العناصر المكوّنة لهذا النظام حسب علاقات ضمنيّة مبنيّة على التكامل والتراتب، أي أن كلّ عنصر من عناصر البنية الشكلية (أي كلّ جزء) للقالب الموسيقي مرتبط بالضرورة ببقية العناصر حسب الوظيفة التي يؤدّيها داخل البنية (أي داخل الكلّ) وهذه الوظيفة هي التي تحدّد تراتبية العناصر في الكلّ البنيوي.

لذلك اقترحنا في هذا المنهج أن يتمّ تناول القالب الموسيقي وفق تمشّ تراتبيّ يبدأ بالاستماع إلى المثال الموسيقي وتفكيك بنيته الشكلية، ثم تحديد العلاقات بين عناصر البنية والبحث في ثوابت القالب ومتغيراته بمقارنته مع أمثلة أخرى، ثم الانتهاء بتقديم تعريف نظري لهذا القالب الموسيقي وتنزيله في سياقه التاريخي والموسيقو-ثقافي العام.

إن هذا التمشّي متعدّد الأبعاد يسمح لنا من ناحية بدراسة القالب الموسيقي من جوانب مختلفة تتعدّى البنية الشكلية، ومن ناحية أخرى يساعد على تحديد الثوابت والمتغيرات في قوالب التأليف الموسيقي العربي.

المراجع

الكتب

– GUETTAT, Mahmoud, 1986, La tradition musicale arabe, France, Ministère de l’éducation nationale.

أطروحات جامعية

– SARGENT, Gabriel, 2013, Estimation de la structure de morceaux de musique par analyse multicritères et contrainte de régularité, thèse de doctorat, France, Université de Rennes 1.

المقالات

الزواري، الأسعد، 2016، “تنوّع أشكال القوالب الموسيقية وارتباطها بدلالات الخطاب”، المؤتمر الدولي الرابع: القالب والخطاب جدلية الفصل والوصل، إشراف الأسعد الزواري، ص. 13-32.

– طنّوس، يوسف، 2016، “قوالب الموسيقى العربية بين النمطية والابتكار”، المؤتمر الدولي الرابع: القالب والخطاب جدلية الفصل والوصل، إشراف الأسعد الزواري، ص. ص 33-50.

– LACÔTE, Thomas, 2015, « De l’invention en analyse musicale : repenser l’analyse du compositeur au Conservatoire de Paris à l’ombre des écrits de Jean-Jacques Nattiez, Paris, CNSMD.

الموسوعات الورقية

– Encyclopédie de la musique, 1959, t. 2, Paris, Fasquelle, 1142p.

الموسوعات الكترونية

Encyclopédie Universalis http://www.universalis.fr/encyclopedie/structure-musique/

Comments are closed.